الجصاص

204

أحكام القرآن

فإن قيل : وجود ثمن رقبة الظهار كوجود الرقبة في ملكه ، فهلا كان وجود مهر الحرة كوجود نكاحها ! قيل له : هذا خطأ منتقض من وجوه ، أحدها : أنك لم تعقده بمعنى يوجب الجمع بينهما وبدلالة يدل بها على صحة المعنى ، وما خلا من ذلك من دعوى الخصم فهو ساقط غير مقبول . والثاني : أن ذلك يوجب أن يكون وجود مهر امرأة في ملكه كوجود نكاحها في منع تزويج أمها أو أختها ، فلما لم يكن ذلك كذلك بأن به فساد ما ذكرت ، وعلى أن الرقبة ليست عروضا للنكاح لأن الرقبة فرض عليه عتقها ، وغير جائز له الانصراف عنها مع وجودها ، وجائز للرجل أن لا يتزوج مع الإمكان ، فلما كان كذلك كان وجود ثمن الرقبة في ملكه كوجودها إذ كانت فرضا هو مأمور بعتقها على حسب الإمكان ، وليس النكاح بفرض فيلزمه التوصل إليه لوجود المهر ، فليس إذا لوجود المهر في ملكه تأثير في منع نكح الأمة وكان واجده بمنزلة من لم يجد . وإنما قال أصحابنا إنه لا يتزوج الأمة على الحرة لما روى الحسن ومجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تنكح الأمة على الحرة " ، ولولا ما ورد من الأثر لم يكن تزويج الأمة على الحرة محظورا ، إذ ليس في القرآن ما يوجب حظره والقياس يوجب إباحته ، ولكنهم اتبعوا الأثر في ذلك والله تعالى أعلم . باب نكاح الأمة الكتابية قال أبو بكر : اختلف أهل العلم فيه ، فروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن عبد العزيز وأبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم كراهة ذلك ، وهو قول الثوري . وقال أبو ميسرة في آخرين : " يجوز نكاحها " ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر . وروي عن أبي يوسف أنه كرهه إذا كان مولاها كافرا والنكاح جائز ، ويشبه أن يكون ذهب إلى أن ولدها يكون عبدا لمولاها وهو مسلم بإسلام الأب ، كما يكره بيع العبد المسلم من الكافر . وقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن سعد : " لا يجوز النكاح " . والدليل على جوازه جميع ما ذكرنا من عموم الآي في الباب الذي قبله الموجبة لجواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة ، ودلالتها على جواز نكاح الأمة الكتابية كهي على إباحة نكاح المسلمة . ومما يختص منها بالدلالة على هذه المسألة قوله عز وجل : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) [ المائدة : 5 ] . وروى جرير عن ليث عن مجاهد في قوله : ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) [ المائدة : 5 ] قال : " العفائف " . وروى هشيم عن مطرف عن الشعبي : ( والمحصنات من الذين أوتوا